جاليليو أبوحكارة
مرحبا بكم جميعا في منتدانا
سجل وشارك في وضع مواضيع جديدة
والاستفادة من المواضيع المطروحة داخل هذا المنتدى


ستجدفي المنتدى كل ما يتعلق بالرياضة والعلوم ومناهج كلية الزراعة والسياسة والدين والثقافة
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
سحابة الكلمات الدلالية
قصيدة الذرة الرفيعة
المواضيع الأخيرة
» قصيدة حورية
الأربعاء يناير 21, 2015 11:56 am من طرف Admin

» قصيدة منجم الصبر
الجمعة أكتوبر 31, 2014 12:09 pm من طرف Admin

» قصيدة دامي بلا جرح
الأحد يونيو 15, 2014 8:54 pm من طرف Admin

» رحلة الشباب
الإثنين مايو 26, 2014 1:19 pm من طرف Admin

» تراث الأجداد
الإثنين مايو 26, 2014 1:16 pm من طرف Admin

» قصيدة نسر 711
الأحد مارس 02, 2014 8:05 pm من طرف Admin

» قصيدة قسورة
الجمعة فبراير 28, 2014 5:23 pm من طرف Admin

» قصيدة الاختيار
الإثنين يناير 27, 2014 2:26 pm من طرف Admin

» قصيدة أمير الغرام
الثلاثاء ديسمبر 17, 2013 6:01 pm من طرف Admin

أبريل 2018
الإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبتالأحد
      1
2345678
9101112131415
16171819202122
23242526272829
30      
اليوميةاليومية
التبادل الاعلاني

انشاء منتدى مجاني




شاطر | 
 

 فتــــــح خيــــــــــبر عام 7 هجريه

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 132
نقاط : 396
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 22/10/2011
العمر : 27

مُساهمةموضوع: فتــــــح خيــــــــــبر عام 7 هجريه   الجمعة نوفمبر 11, 2011 2:24 pm

وقوف يهود خيبر ضد الإسلام

خيبربعد أن قام النبي بمراسلة قادة وزعماء العالم، وإعلان العالم كله بهذا الدين الجديد، قام الرسول بفتح ملف خيبر. وخيبر -كما نعلم جميعًا- هي من أكبر التجمعات اليهودية في الجزيرة العربية، وملف اليهود مع الرسول بصفة عامَّة أسود، بل شديد السواد، وهذه السِّمة قد وَسَمَتْ كل فترات المعاملات، سواء في السِّلم أو في الحرب.

وكانت هناك معاهدة مع يهود المدينة المنورة: يهود بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة، ولكن اليهود كان دأبهم الخيانة، وكان الأصل في الأمور والأصل في التعامل هو خيانة اليهود المتكررة، والتشكيك المستمر في دين الإسلام، ومحاولة إثارة الفتنة على الدوام. ثم تطور الأمر -كما تعلمون- إلى معارك حقيقية بين المسلمين ويهود القبائل الثلاثة، وانتهى الأمر بإجلاء قبيلتي بني قينقاع وبني النضير، وقتل رجال القبيلة الثالثة بني قريظة، ولم يبقَ من تجمعات اليهود الكبرى في الجزيرة إلا تجمع خيبر، وما حولها من تجمعات أصغر منها، مثل تجمع تيماء وتجمع فدك ووادي القرى، ولكن التجمع الرئيسي كان تجمع خيبر؛ وهذا التجمع الكبير كان من أكبر التجمعات اليهودية مطلقًا، والذي ازداد قوة بعد إجلاء يهود بني النضير؛ لأنهم انضموا بكل طاقتهم إلى يهود خيبر.

وإذا كنا قد رأينا من قبل أن كل التعاملات اليهودية مع الرسول -بلا استثناء- كان فيها خيانة وغدر وكيد وتدبير مؤامرات تلو المؤامرات، فإن يهود خيبر لم يخالفوا هذه القاعدة، مع أن عَلاقة يهود خيبر بالرسول لم تكن مباشرة كالقبائل اليهودية الثلاث، إلا أنهم لم يكفوا عن محاولتهم بالكيد للدولة الإسلامية الموجودة في المدينة المنورة.

وكان من أخطر محاولات ومؤامرات خيبر مؤامرة جمع القبائل العربية المختلفة لحرب المسلمين في المدينة المنورة، فيما عُرف بغزوة الأحزاب، وكوَّن يهود خيبر وفدًا كبيرًا جدًّا مكوَّنًا من عشرين زعيمًا من زعماء خيبر بالاشتراك مع بعض زعماء بني النضير، وبدءوا يجمعون القبائل العربية الكبرى مثل قريش وغطفان وغيرها لتحفيز هذه القبائل لحرب المسلمين، مع أنه لم تكن هناك علاقة مباشرة بين يهود خيبر ورسول الله . ولم يكتفِ يهود خيبر بدور التنسيق بين الأحزاب بل بذلوا المال أيضًا، فقد اتفقوا مع قبائل غطفان على أن يدفعوا لهم نصف ثمار خيبر؛ وذلك حتى يدفعوهم دفعًا لاستئصال المسلمين.

ونحن نعلم أن قبائل غطفان مثل المرتزقة يحاربون بالمال، لقد ضحت خيبر بنصف ثمارها حتى تدفع غطفان لحرب المسلمين، وكان لهم دور كبير جدًّا في إقناع بني قريظة بخيانة عهد رسول الله ، وأوشك هذا الأمر أن يؤدي إلى كارثة حقيقية، لولا أن الله لطف بعباده المؤمنين. ورغم فشل الأحزاب في غزو المدينة إلا أن يهود خيبر لم يكفوا قَطُّ عن محاولاتهم المضنية لإيذاء المسلمين، وثبت أنهم قاموا بالتخابر مع المنافقين في المدينة المنورة حتى يدبروا مؤامرات كيديَّة بالمسلمين، ووصل الأمر إلى محاولة اغتيال الرسول .

فهذا التاريخ الطويل من الكيد والدسِّ والمؤامرات كان يحتاج إلى وقفة من المسلمين، وكان من الأفضل أن تكون الوقفة بعد غزوة الأحزاب مباشرة، ولكن هذا لم يكن متيسرًا في ذلك الوقت؛ لأن الرسول كان يخشى أن تباغت قريش المدينة المنورة في أي لحظة، فمن الممكن أن تجمع العرب من جديد، وتحاصر المدينة المنورة وتقتحمها، إضافةً إلى أن الرسول لا يريد أن يترك المدينة المنورة بدون جند، وخاصةً أن حصون خيبر كانت شديدة الحصانة والقوة، وأعداد اليهود كانت كبيرة، والرسول كان متوقعًا أن فتح خيبر سوف يأخذ وقتًا طويلاً؛ لذلك لم يكن يريد أن يترك المدينة حتى يأمن جانب قريش؛ ولذلك أَجَّل قضية يهود خيبر حتى تأتي الفرصة المناسبة.

الظروف تتهيأ لفتح خيبر

جاء الوقت الذي ينتظره الرسول ، فبعد صلح الحديبية تغيرت الأوضاع، وأمن الرسول جانب قريش، فقد وضعت الحرب -كما تعلمون- بين الدولتين مدةَ عشر سنوات كاملة، وكان أول شيء فكر فيه الرسول بعد صلح الحديبية هو التوجُّه إلى خيبر؛ وذلك من أجل استغلال هذه الهدنة التي عقدها مع قريش في تأمين المدينة المنورة. وكان الرسول سريعًا في الخروج إلى خيبر، لدرجة أنه خرج بعد أقل من شهر من عودته من صلح الحديبية، فقد خرج في محرم سنة 7هـ إلى خيبر لفتحها.

الأسباب التي جعلت الرسول يسارع بفتح خيبر

كانت هذه السرعة لأهدافٍ يريدها الرسول :

1- كان يريد حفظ كرامة الأمة الإسلامية، فلا يتأخر الثأر لكرامتها كثيرًا، ووقفت الظروف سنة كاملة أمام تأديب اليهود على كيدهم للمسلمين، والظروف قد انتهت الآن، فلا بد من الإسراع لحفظ كرامة الأمة الإسلامية بالردِّ على اليهود.

2- كان الرسول لا يأمن غدر قريش وحلفائها؛ لذلك يريد الرسول أن يأخذ هذه الخطوة قبل أن تفكر قريش في الغدر أو تستعد له. ومنها أيضًا أن خبر صلح الحديبية وصل حتمًا إلى يهود خيبر، وقد يتوقعون هجومًا من المسلمين، فكان الإسراع أفضل قبل أن يستعدَّ اليهود.

3- أراد رسول الله أن يرفع معنويات المسلمين المنكسرة بعد صلح الحديبية؛ لأنهم لا يدركون الخير من وراء هذا الصلح، فأراد الرسول أن يعوضهم بهذا الفتح القريب.

4- وفوق كل هذه الأسباب أن الله I كان قد بشَّر المؤمنين أن هناك مغانم كثيرة سيحققونها بعد صلح الحديبية، ونزل هذا في سورة الفتح التي نزلت بعد الصلح، ولعل هذه الغنائم تكون غنائم خيبر، كما قال الله تعالى في سورة الفتح: {وَعَدَكُمُ اللهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} [الفتح: 20].

أي صلح الحديبية، والمغانم الكثيرة هي مغانم خيبر، وغير خيبر من الفتوحات الإسلامية التي جاءت بعد هذا الصلح العظيم.

الرسول يحتاط من غدر المنافقين

كان الرسول يخاف من خيانة المنافقين في داخل المدينة المنورة، وقلنا قبل ذلك إن المنافقين كانوا يتعاملون مع اليهود، وكانت العلاقة بينهما حميمة من أيام بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة، والآن ثبت أنهم يتعاملون أيضًا مع يهود خيبر، والرسول لا يريد من المنافقين أن يخرجوا معه في هذا الجيش، فماذا يفعل؟ فهو لا يستطيع أن يقول للمنافقين لا تخرجوا؛ لأن النفاق هذا أمر قلبي، فأعلن الرسول أنه لا يخرج إلى خيبر إلا من شهد صلح الحديبية، وبذلك ضمن أن كل من سيشارك في فتح خيبر سيكون من المؤمنين؛ لأن هذه المجموعة التي شاركت في صلح الحديبية جميعها من المؤمنين، كما قال الله : {لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} [الفتح: 18].

فهؤلاء جميعًا مشهود لهم بالإيمان، وخرج الرسول بألف وأربعمائة مقاتل، وهم الذين كانوا في صلح الحديبية، ونحن قد رأينا أن الصفَّ المؤمن إذا كان خالصًا نقيًّا مؤمنًا فإن الله يعطي له النصر، وهذا الصف -وهو خارج من المدينة- يعلم أن نصر الله سيحالفهم؛ فخرج هذا الجيش العظيم بهذه الروح الطيبة المتفائلة، برغم أنهم سيحاربون أعدادًا ضخمة، فأعداد اليهود كانت أضعاف أضعاف الجيش الإسلامي، ومع ذلك خرج الكل بتصميم على أن النصر -إن شاء الله- سيكون في ركاب المسلمين، يقول الله I في كتابه الكريم: {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 249].

التحالف بين المنافقين واليهود وغطفان

وخرج الجيش الإسلامي، وكما توقع الرسول أرسل المنافقون إلى يهود خيبر يخبرونهم بقدوم الرسول إلى خيبر، بل شجَّعوهم على قتال الرسول ، وقالوا لهم: لا تخافوا منهم، فإن عددكم وعُدَّتَكم كثيرة، وقوم محمد شرذمة قليلون، لا سلاح معهم إلا قليل.

ووصلت الرسالة إلى أهل خيبر، واستعدَّ أهل خيبر، ولم يكتفوا بالاستعداد والتحصن، بل أرسلوا أحد زعماء اليهود -وكان اسمه كِنانة بن أبي الحُقَيْق، وهو أخو سَلاَم بن أبي الحقيق الذي قُتل من عدة أشهر على أيدي المسلمين- إلى قبائل غطفان، وهي قبائل مرتزقة، وتقاتل من أجل الأموال، وعرضوا عليهم المال؛ لكي يساعدوهم ويعاونوهم في حرب المسلمين، وعرضوا عليهم نصف ثمار خيبر. وبالفعل بدأت قبائل غطفان في الاستعداد للخروج في اتجاه خيبر، وأعدوا جيشًا كبيرًا جدًّا لهذا الأمر، وبفضل الله اكتشفت مخابرات الرسول هذا التحرُّك لغطفان، وبسرعة أخذ الرسول عدة قرارات حتى يأمن عملية اجتياح خيبر:

1- أخرج رسول الله سرية بقيادة أَبَان بن سعيدٍ t في اتجاه أعراب نجد حتى يثير الرهبة في هذه المنطقة، فلا تجرؤ غطفان ولا غير غطفان على مهاجمة المدينة المنورة؛ لأن المدينة -كما نعلم- خالية تقريبًا من الرجال، فأمَّن الرسول بذلك المدينة المنورة.

2- أرسل الرسول سرية في الشمال الشرقي إلى ديار غطفان؛ ليوهم جيش غطفان أنه سيغزو ديار غطفان وليس ديار اليهود، وأمر هذه السرية أن تُظهِر أمرها، وأن تظهر شأنها ولا تتخفَّى، وتُحدِث صوتًا عاليًا حتى تلفت أنظار جيش غطفان ويعودوا إلى ديارهم، ولا يشتركوا مع يهود خيبر في الدفاع عن خيبر. وبالفعل عندما سمع جيش غطفان وراءه الصوت، انطلق مسرعًا راجعًا إلى دياره، وترك يهود خيبر في حرب الرسول منفردين.

3- وغيَّر الرسول الطريق المعروف لدخول خيبر، وأخذ بعض الأَدِلَّة لتدله على طريق آخر؛ ليدخل خيبر من شمالها وليس من جنوبها؛ لأننا نعرف أن المدينة المنورة في جنوب خيبر، فبدلاً من أن يدخل خيبر من الجنوب، دخلها من الشمال، وحقق بذلك شيئين:

أولاً: سيحول بين غطفان وبين خيبر بجيشه.

ثانيًا: سيمنع اليهود من الفرار إلى الشام، فيحصر اليهود في منطقة خيبر؛ لأن الطريق إلى الشمال سيكون مغلقًا بالجيش الإسلامي.

فكان التخطيط العسكري على أعلى مستوى، وتظهر في الجيش الإسلامي ملامح الجيش المنصور؛ فالجيش بكامله من المؤمنين الصادقين كما رأينا، حتى لو كان هؤلاء قلة، فإنهم ينتصرون بإذن الله . والجيش كله مرتبط ارتباطًا وثيقًا، ويجمعهم رباط العقيدة، ونحن قد رأينا غطفان وهي تتخلى عن اليهود؛ لأنه لا يجمعهم غير المصالح الدنيوية، أما الجيش الإسلامي الذي يتكون من قبائل الأنصار والمهاجرين وغير ذلك من القبائل التي دخلت مع الرسول في المدينة المنورة، يجمعهم الإيمان بالله ، والحرص على الشهادة في سبيل الله.

أخذ الرسول بالأسباب، وأعَدَّ الخُطَّة والعُدَّة والخطط البديلة، وتغيير الاتجاه وإرسال العيون؛ وبذلك أخذ المسلمون بأسباب النصر المادية.

المسلمون يتوجهون إلى خيبر

اقترب الرسول من خيبر، وكان هذا الاقتراب في الليل، والرسول كان من عادته ألاّ يقاتل بالليل، فكان ينتظر حتى يأتي الفجر، ثم يقاتل بعد الفجر ؛ فاختار مكانًا قريبًا من خيبر وعسكر فيه، وكان هذا المكان قريبًا من مجموعة حصون موجودة في خيبر اسمها حصون النَّطَاة، ولكن جاء إليه الحُبَاب بن المُنْذِر t، وقال له: إن هذا المنزل قريب من حصن النطاة، وهم يدرون أحوالنا ونحن لا ندري أحوالهم، وسهامهم تصل إلينا، وسهامنا لا تصل إليهم، ولا نأمن من بَيَاتهم. وأيضًا هذا المكان بين النخلات، وهو غائر وأرض وَخِيمة، ومن الممكن أن يتسلل اليهود من خلال النخيل، ولا يدرك المسلمون هذا التسلل، ولو أمرت بمكان خالٍ عن هذه المفاسد نتخذه معسكرًا. فقال : "أَشَرْتَ بِالرَّأْيِ"[1].

وغيَّر المسلمون المكان إلى المكان الذي أشار به الحباب بن المنذر t، وهو نفس الموقف الذي قام به الحباب قبل ذلك في موقعة بدر، وبذلك نرى عظمة النبي في الأخذ بمبدأ الشورى، وأخذ الرأي، وكيف كان ذلك سببًا في النصر. وبالفعل استقر الرسول وجيشه في المكان الجديد.

الرسول يعطي الراية لعلي بن أبي طالب

غزوة خيبرقام الرسول وخطب في الناس، وقال لهم: "لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلاً يُحِبُّ اللَّهَ، وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ". إن الرجل الذي يفتح الله على يديه البلاد، ويمكَّن له في الأرض، وينصره على أعدائه، لا بد لهذه الشخصية أن تكون مُحبِّة لله ، ولرسوله ، وهذا لا يأتي إلا بموافقة تامَّة للشرع، وبصدق كامل؛ لأن الله مُطَّلِع على القلوب، ولا يعطي نصره إلا لمن أحب، وهذا يحدث في كل مراحل التمكين في حياه الأمة الإسلامية، وفي كل انتصارات الأمة الإسلامية؛ فإذا رأيت أن الله نصر خالد بن الوليد t، أو نصر عمرو بن العاص، أو نصر صلاح الدين الأيوبي، أو نصر سيف الدين قطز، أو يوسف بن تاشفين، أو أي إنسان مُكِّن له في الأرض، فاعْلَمْ أن هذه علامة من علامات حب الله لهذا العبد، وأن الله سيفتح على يديه، وإذا أراد الله بعبدٍ خيرًا فلا رادَّ لفضله. وحين قال الرسول هذه الكلمات، وأصبح في اليوم الثاني حتى يُعطِي الراية لمن وعد، قام كل الصحابة y متشوِّقين لحمل هذه الراية، فقال : "أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؟".

فقال الناس: يا رسول الله، هو يشتكي عينيه.

فأرسل رسول الله إلى علي بن أبي طالب، وكان عنده رمدٌ في عينيه، وكان لا يرى إلا بصعوبة، وقال الناس: يا رسول الله، إنه مريض في عينيه. وأصرَّ الرسول مع ذلك على الإتيان بعليٍّ t، ووضع الرسول على عينيه من ريقه، وسبحان الله! بَرِئ علي بن أبي طالب t، وأصبح يرى كأن لم يكن به أي مرض، وأعطاه الراية. وكان الجميع يرون أن ظروف علي بن أبي طالب لا تسمح له بالقيادة، ولكن الله يسَّر له ذلك الأمر، فلو كان الإنسان صادقًا فسوف يفتح الله له أبواب العمل، وإن كان الظاهر هو وجود المعوِّقات الكثيرة، يقول تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69].

الرسول يأمر علي بن أبي طالب بدعوة اليهود إلى الإسلام

مع كل الجرائم التي فعلها اليهود، وذلك التاريخ الأسود لهم مع المسلمين، إلا أن الرسول كان حريصًا على هدايتهم، ودخولهم في نور الإسلام. قال علي بن أبي طالب t: "يا رسول الله، أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا".

ولننظر إلى عظمة الإسلام، ورحمة الإسلام، وحرصه على هداية كل البشر، فقال رسول الله لعلي بن أبي طالب موضِّحًا الغاية من الحرب في الإسلام، قال : "انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلاَمِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ، فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ"[1].

وهنا الرسول يعلمنا أن إسلام هؤلاء اليهود أحب إلينا من أموالهم ومن ديارهم، وأحب إلينا من سلطانهم، وأحب إلينا من كل شيء؛ فمع كل التاريخ الأسود لليهود، ومع كل المحاولات المضنية التي بذلوها لاستئصال المدينة المنورة، إلا أن الرسول كان حريصًا أكبر الحرص على إسلامهم وعلى هدايتهم إلى ربِّ العالمين I. واقترب الجيش الإسلامي من لحظة البداية، وصلى المسلمون الصبح، وبدأ بعدها الجيش الإسلامي في التحرك في اتجاه خيبر، وكان اليهود حول حصون خيبر يزرعون في المزارع، فرأوا رسول الله والجيش معه، فقالوا: "محمد والله، محمد والخميس[2]". ورجعوا هاربين إلى مدينتهم، وأغلقوا الأبواب عليهم.

وصاح الرسول صيحةً عالية سمعها الجيش بكامله، وسمعها كذلك اليهود، فقال: "اللَّهُ أَكْبَرُ! اللَّهُ أَكْبَرُ! خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ، فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ"[3].

وهذه الكلمات كانت تلقي بظلال مهمَّة على الجيشيْنِ الإسلامي واليهودي؛ لأنها تُذَكِّر المسلمين بأن النصر من عند الله ، وتذكِّرهم بالله قبل أن يبدءوا القتال. ثم إنه يقول لهم: إن الله هو الناصر، وهو أكبر من أيِّ عدو، وإن كنتم ترون حصون خيبر وسلاح خيبر وأعداد خيبر أكثر بكثير من المسلمين، فإن الله معنا، وهو ناصرنا عليهم إن شاء الله. وهذا الأمر قد رفع الروح المعنوية عند المسلمين، وذكرهم بأيام الله ، وبانتصارهم في بدر والأحزاب، أما اليهود فقد ألقت هذه الكلمات الرعب في قلوبهم.

المسلمون يضربون الحصار على خيبر

وصل الصحابة -رضوان الله عليهم- إلى خيبر، وبدأ الرسول يدرس الموقف، فمن أيِّ الحصون يدخل خيبر؟ فخيبر عبارة عن منطقة ذات حصون كثيرة، وفيها الحصون الكبيرة والحصون الصغيرة، والحصون الكبيرة ثمانية حصون رئيسية؛ فخمسة من هذه الحصون في منطقة، وثلاثة في منطقة أخرى، والخمسة حصون الأولى هي خط الدفاع الاستراتيجي الأول لليهود، وتنقسم إلى: ثلاثة في منطقة تسمى النَّطَاة، واثنين في منطقة تسمى الشَّق، أما حصون النطاة فكانوا بالترتيب الآتي: ناعم، ثم الصعب بن معاذ، ثم قلعة الزبير. وكان حصن ناعم من الحصون القوية في خيبر، واقترب الرسول من هذا الحصن، وأرسل علي بن أبي طالب ليدعوهم إلى الإسلام.

وهنا لا يجب أن يقول قائل: إنه لا إكراه في الدين، فلماذا يدعوهم إلى الإسلام ثم إذا رفضوا حاربهم؟ إن الحرب هنا ليست عقابًا لليهود على تركهم للإسلام، وليست عقابًا لهم على رفض الدعوة الإسلامية، ولكن الرسول جاء من المدينة المنورة إلى خيبر ليعاقب اليهود على جرائمهم المتعددة السابقة، وعلى تحزيبهم الأحزاب وحصارهم للمدينة المنورة، وعلى تخابرهم مع المنافقين في داخل المدينة المنورة، وعلى محاولتهم اغتيال الرسول ، وعلى تحفيزهم لغطفان أكثر من مرة على حرب المسلمين؛ فلذلك قرر أن يقاتلهم وأن يعاقبهم، ولكنه يريد أن يعطيهم فرصة أخيرة ليرفعوا عن أنفسهم العقاب الذي يستحقونه، فقال: إن أسلمتم رفعنا عنكم العقاب، ونسينا كل ما سبق. وهذه سعة صدر ورحمة من رسول الله ، ولكن اليهود رفضوا هذه الدعوة، ورفضوا دعوة علي بن أبي طالب t لدخولهم في الإسلام، وقرروا الحرب، واغتروا بقوتهم وأعدادهم وحصونهم.

المبارزة بين عامر بن الأكوع ومَرْحَب اليهودي

لم يستجب اليهود لدعوة المسلمين لهم بالدخول في الإسلام، وأصروا على القتال، بل أخرجوا أحد قادتهم الكبار ليحارب المسلمين، وكانت عادة الحروب القديمة أن يبدأ القتال بمبارزة بين فارسين من كلا الجيشين، والمنتصر في هذه المبارزة يُعطي دفعة معنوية كبيرة لفريقه إن انتصر في هذه اللحظات الأولى من القتال؛ أخرج اليهود أحد أبطالهم، وكان من أشد الفرسان في تاريخ العرب بصفة عامَّة، وهذا الرجل كان اسمه مَرْحَبًا، وكان رجلاً عملاقًا ضخم الجثة، وخرج للقتال وطلب المبارزة، فخرج له عامر بن الأكوع t، وسَرْعان ما دارت المبارزة بين الاثنين، وضرب عامر بن الأكوع t مَرْحبًا اليهوديّ ضربة كبيرة، ولكن الضربة طاشت ولم تصل إلى مَرْحَب، وأكملت الطريق إلى رُكبة عامر فَقُتل بسيفه، فاستشهد t، فقال الصحابة: قد قتل نفسه. وتأثر الصحابة y بهذا الموقف، بل وصل الأمر إلى أن بعض الصحابة قالوا: حبط عمله. وكأنه قتل نفسه بإرادته.

ولكن الرسول علق بعد ذلك على هذه الحادثة، وأثنى على عامر بن الأكوع t، وقال : "إِنَّ لَهُ لَأَجْرَيْنِ"، وجمع بين إصبعيه ، ثم قال: "إِنَّهُ لَجَاهِدٌ مُجَاهِدٌ[4]، قَلَّ عَرَبِيٌّ مَشَى بِهَا مِثْلُهُ"[5]؛ يعني نادرًا من العرب الذي مشى في أرض المعركة مثل عامر بن الأكوع t.

ولكن ما حدث كان في الحقيقة أزمة، وحدث نوع من الهزَّة عند المسلمين، وارتفعت الروح المعنوية عند اليهود، ووقف مَرْحَب القائد اليهودي يطلب القتال من جديد بعد أن ارتفعت معنوياته في هذه اللحظات الأولى من القتال، فخرج له البطل الإسلامي علي بن أبي طالب t حامل راية المسلمين في موقعة خيبر، ودار بينهما قتال شديد عنيف، ثم مَنَّ الله على علي بن أبي طالب بالنصر، كما تنبأ بذلك الرسول ، وقتل علي بن أبي طالب مَرْحبًا، وكان قتله إشارة كبيرة إلى أن النصر سيكون للمسلمين إن شاء الله؛ لأن هذا الرجل كان أقوى رجلٍ في اليهود، وكان اليهود لا يتخيلون أبدًا أن يقتله أحدٌ من المسلمين. وخرج أخو مرحب -وكان اسمه ياسرًا وكان يريد الثأر لأخيه، وكان من عمالقة اليهود أيضًا- يطلب القتال، فخرج له الزبير بن العوام t، واستطاع الزبير بن العوام t أن يقتل ياسرًا أخا مَرْحب، وكان ذلك بداية الانتصار للمسلمين.

احتدام القتال وسقوط حصن ناعم في يد المسلمين

احتدم اللقاء بين الصحابة y وبين اليهود، فهذا اللقاء لم يكن ساعة أو ساعتين، ولكنه استمر عِدَّةَ أيام متصلة، وهذا غريب في عُرْف القتال؛ فكما رأينا قبل ذلك في بدر وفي أُحد وفي غيرها كان اللقاء يومًا واحدًا، ولكن في هذا اللقاء الشديد دارت المعركة أكثر من يوم حتى تسلل اليهود من حصن ناعم وتركوه فارغًا للمسلمين، وكان هذا التسلل ليلاً، وانتقلوا إلى الحصن الذي وراءه، وتحصنوا في حصن الصعب بن معاذ، واحتل المسلمون حصن ناعم، وكان هذا إضافةً كبيرة للجيش الإسلامي في موقعة خيبر، فهل اكتفى بهذا النصر في هذه المعركة؟

لا؛ لأن الرؤية عند الرسول واضحة تمامًا، فقد جاء لينتقم من أفعال اليهود وخياناتهم المتكررة للمسلمين، وليخرج اليهود من خيبر كما أخرج قبل ذلك يهود بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة من المدينة المنورة. وتوجه الرسول إلى حصن الصعب، وحاصر الحصن حصارًا شديدًا، وكان حصن الصعب بن معاذ أشد خطورةً وصعوبة من حصن ناعم، وأحكم المسلمون الحصار على حصن الصعب بن معاذ.

تحريم الحُمُر الأهلية في خيبر

ومع أن الحصار كان شديدًا، ومع أن فتنة الحرب كانت كبيرة، إلا أن الله أراد أن يبتلي المؤمنين، فأوقعهم في أمر صعب إلى جوار صعوبة الحرب، وهو أمر الجوع؛ إذْ دخل المسلمون في جوع شديد جدًّا لدرجة أن الصحابة y قالوا: لقد جهدنا وما بأيدينا من شيء. فالموقف أصبح حرجًا للغاية.

وعندما ازداد الجوع على المسلمين، قام بعض رجال الجيش الإسلامي بذبح بعض الحمير للأكل. والحقيقة أن العرب كانت تأكل الحمير في ظروف معينة، ولم يكن الأمر محرمًا على المسلمين في ذلك الوقت، ونصبوا القدور، ولم يكن هذا بعلم الرسول ، ولما رأى الرسول النيران مشتعلة قال: "عَلَى أَيِّ شَيْءٍ تُوقِدُونَ؟".

فهو يعلم أنه ليس مع الجيش لحم يطبخ، ولا شيء يوقد عليه نار، فقالوا: يا رسول الله، نوقد هذه النيران على لحم. فقال: "أَيُّ لَحْمٍ؟" فقالوا: لحوم الحُمُر. يعني لحوم الحمر التي تُستخدم في النقل، وهذه الحمير لم تكن محرَّمة على المسلمين حتى هذه اللحظة، ولكن الرسول في هذا الموقف الصعب قام ونَهَى عن أكل لحوم الحُمُر الأهليَّة، وقال: "لاَ تَأْكُلُوا مِنْ لُحُومِ الْحُمُرِ شَيْئًا وَأَهْرِقُوهَا"[6].

وإنه لموقف صعب حقًّا، فالصحابة y في ضائقةٍ وجوع شديد، وبدأت اللحوم تنضج ورائحة اللحوم بدأت تظهر، والصحابة متشوِّقون للأكل، ثم أتى النهي من عند رسول الله . وهذا النهي لا ينصاع له إلا مؤمن كامل الإيمان، وبفضل الله فإن جميع الجيش -بلا استثناء- قد نجح في هذا الاختبار، ولم يأكل أحد من هذه اللحوم، بل إن الرسول لم يكتفِ بتحريم الأكل من لحوم الحُمُر الإنسيَّة، وإنما قال: "أَهْرِيقُوهَا[7] واكْسِرُوهَا"؛ ليختفي كل أثر لهذه اللحوم، فسأل بعض الصحابة: أَوْ نُهَرِيقُهَا وَنَغْسِلُهَا؟ يعني بدل الكسر نغسل القدور، فقال : "أَوْ ذَاكَ"[8].

وقَبِل بغسل القدور. إن هذا التحريم جاء في وقت يحتاج فيه الجيش إلى هذا الأكل، ومن الواضح أن الرسول كان يرى أن موقف الصحابة لم يصل بعد إلى موقف الاضطرار، أي ما زالت هناك فرصة أن يعيشوا بدون طعام فترة من الزمان، وإلا اضطر المسلمون لأكل أيِّ شيء حتى الميتة، وهذا مباح في أوقات الضرورة فقط. إنها التربية الإيمانية العالية! وهذا من أعظم أسباب النصر.

السنة النبوية هي المصدر الثاني للتشريع

إن هذا التحريم الذي جاء على لسان الرسول ، لم يأتِ في القرآن الكريم؛ فالله ذكر في القرآن الكريم أنواعًا كثيرة من المحرمات على المسلمين، قال تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلاَمِ} [المائدة: 3].

وغير ذلك من المحرمات التي ذكرها الله في القرآن الكريم. وتحريم الحمر الأهلية لم يأتِ في كتاب الله ، وجاء في السنة النبوية فقط، وفي ذلك قال الرسول حديثًا، من الواضح أنه قاله بعد أحداث غزوة خيبر، قال في خُطبةٍ ذات يوم للصحابة، ومن الواضح أيضًا أن بعض المنافقين كان قد ادَّعى أنه يُكتفى بالقرآن الكريم فقط، أو أن الرسول قد تنبَّأ بأنه سيأتي زمان على المسلمين يدَّعِي فيه بعضهم أن القرآن الكريم يكفيهم دون سُنَّة النبي ؛ يقول فيما روى أبو داود عن المقدام بن معد يكرب t قال: قال رسول الله : "أَلاَ إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلاَ يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانُ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ، فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلاَلٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ. أَلاَ لاَ يَحِلُّ لَكُمُ الْحِمَارُ الأَهْليُّ، وَلاَ كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السَّبُعِ..."[9].

وذكر أنواعًا أخرى من المحرمات، والذي يجمع كل هذه المحرمات يجد أنها لم تأتِ في كتاب الله I، ومع ذلك فهي محرمة على المسلمين بتحريم الرسول لها، فثبت الحكم عند المسلمين، وهذا من أبلغ الأدلة لكون السنة النبوية مصدرًا مهمًّا من مصادر التشريع الإسلامي.

الرسول يتوجه بالدعاء إلى الله

في هذه الأزمة الكبيرة وبعد استجابة الصحابة رضوان الله عليهم لأمر الرسول ، لجأ المسلمون لجوءًا كاملاً إلى الله ، وهذا من أبلغ الفوائد في الأزمات، لجوء المسلمين الصادقين إلى الله ؛ ليفتح لهم أبواب الرحمة. ووقف المسلمون يدعون مع الرسول ، هو يدعو وهم يؤمِّنون، فقال : "اللَّهُمَّ إِنَّكَ قَدْ عَرَفْتَ حَالَهُمْ وَأَنْ لَيْسَتْ بِهِمْ قُوَّةٌ، وَأَنْ لَيْسَ بِيَدِي شَيْءٌ أُعْطِيهِمْ إِيَّاهُ، فَافْتَحْ عَلَيْهِمْ أَعْظَمَ حُصُونِهَا عَنْهُمْ غَنَاءً، وَأَكْثَرَهَا طَعَامًا وَوَدَكًا[10]"[11]. وانتهى من دعائه.

سقوط حصن الصعب وقلعة الزبير في يد المسلمين

وبفضل لجوء المسلمين إلى الله ، جاء النصر من السماء؛ ففي اليوم التالي فتح الله عليهم حصن الصعب بن معاذ، وهذا من أغنى حصون خيبر بالطعام والشراب، وما لذَّ من ألوان الطعام المختلفة، ووجدوا فيه الطعام والوَدَك كما دعا رسول الله ، وأكل الناس وشبعوا واستكملوا الحرب، ثم انتقلوا بعد ذلك إلى حصن قلعة الزبير، وهو الحصن الثالث في المنطقة؛ وحصن قلعة الزبير من أمنع الحصون أيضًا في هذه المنطقة، وكما يقول الرواة: لا تقدر عليه الخيل والرجال؛ لأنه فوق قمة جبل ومن الصعب الوصول إليه.

وفرض الرسول عليه الحصار، وظل الحصار ثلاثة أيام، ثم ألقى الله الرعب في قلب رجل من اليهود فأتى وتسلل من الحصن، وجاء إلى الرسول وطلب الأمان، وقال له: يا أبا القاسم، إنك لو أقمت شهرًا تحاصرهم ما بالوا بك، إن لهم شرابًا وعيونًا تحت الأرض، يخرجون بالليل ويشربون منها، ثم يرجعون إلى قلعتهم دون أن يشعر المسلمون بهم. وقال اليهودي: فإن قطعت مشربهم عليهم خرجوا لك؛ لأنهم لا يستطيعون أن يعيشوا من غير ماء. فوصل الرسول إلى هذه المياه وقطعها عن اليهود، فخرجوا إليه وقاتلوا قتالاً شديدًا، واستمر القتال حتى انتصر المسلمون وافتتحت قلعة الزبير، وكان القتال في منتهى الضراوة[12].

وكما نرى فإن كل حصن عليه حصار عدة أيام ثم هربٌ من حصن إلى الحصن الذي بعده. والحقيقة أن هذه الحصون كانت مبنية بمهارة عجيبة، فكل حصن يسلم إلى الحصن التالي، وبذلك فتح الرسول الحصون الثلاثة الأولى، وهي حصن ناعم والصعب بن معاذ والزبير، وكانوا في منطقة تسمى النطاة. وبهذا نرى أن نصر الله يأتي بعد أن يستنفد المسلمون كل أسباب العمل، وقد لا تؤدي هذه الأسباب إلى النصر بذاتها، بل كثيرًا ما يحدث ذلك الأمر عندما يعجز المسلمون تمامًا، كما فعل الله في بدر والأحزاب، وجنود الله كثيرة، كما قال سبحانه: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ} [المدثر: 31].

وكان أحد جنود الرحمن في موقعة خيبر ذلك اليهودي، وهو ما زال يهوديًّا، ولا نعلم أنه قد أسلم ولكنه على يهوديته، أتى رسولَ الله وكشف سر قلعة الزبير، {وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [آل عمران: 126].

اليهود ينتقلون إلى حصون منطقة الشق

فتح خيبروبعد هذه الفتوح انتقل اليهود إلى الحصن الذي يليه، وهو حصن (قلعة أُبَيّ) أَحد حصون منطقة الشَّقِّ. ونحن نعلم أن منطقة النطاة قد فتحت كلها، وبقي منطقة الشق، وكان فيها حصنان هما أُبَيّ والنزار، ودار قتال عنيف أيضًا حول قلعة أُبَيّ، وبنفس الطريقة حصار ثم قتال ثم هرب لليهود إلى داخل الحصن الذي يليه، وهو حصن النزار وهذا هو الحصن الخامس، ووقف الرسول محاصِرًا لهذا الحصن عدة أيام، ولكن هذا الحصن كان أمنع حصون هذا الشطر مطلقًا؛ لذلك وضع اليهود في هذا الحصن أطفالهم ونساءهم وأموالهم، وظن اليهود أنه من المستحيل أن يفتح.

وبالفعل استمر الحصار فترة طويلة من الزمان قياسًا إلى الحصون التي قبله، وما استطاع الرسول أن يفتح الحصن. وهنا لجأ الرسول إلى طريقة جديدة في الحرب، فقد أخرج المنجنيق، وكان المسلمون قد استولوا على المنجنيق من بعض الحصون اليهودية السابقة، ويقال: إنها كانت في حصن الصعب بن معاذ. ونصب الرسول المنجنيق وبدأ يضرب حصن النزار، حتى أحدث المسلمون خللاً في داخل بعض الجدارن في هذا الحصن، ومن هذا الخلل تسلل المسلمون إلى داخل الحصن، ودار قتال من أعنف أنواع القتال في معركة خيبر الرهيبة. وكما ترون استمر اللقاء فترة من الزمان، وكتب الله النصر للمسلمين للمرة الخامسة، وفتح المسلمون الحصن العظيم حصن النزار.

سقوط حصون الكتيبة في يد المسلمين

حصن الوطيحهرب اليهود إلى حصون المنطقة الأخرى، وكان اسمها حصون (الكتيبة)، وتركوا خلفهم النساء والأطفال وكل شيء، وانتقل الرسول إلى منطقة الكتيبة، وهي منطقة واسعة، فيها ثلاثة حصون كبيرة، وهي القَمُوص وحصن الوَطِيح وحصن السُّلاَلِم، وكانت هذه الحصون من الحصون المنيعة، وتحصن فيها اليهود، ولكن اليهود كانت قد أصابتهم هزيمة نفسيَّة كبيرة نتيجة للهزيمة في أكثر من موقعة في خيبر؛ لأن خيبر لم تكن مجرَّد لقاء عابر، فقد دار القتال في عدة مواقع متتالية في مكان واحد حصن تلو الحصن كما نرى، حتى فتح المسلمون خمسة حصون صعبة دون هزيمة واحدة؛ لذلك فإن خيبر محفورة في أذهان اليهود، وفي أذهان المسلمين على السواء، ومن أعظم انتصارات المسلمين على الإطلاق، وسماها الله في كتابه الكريم بالفتح القريب، قال الله تعالى: {وَفَتْحٌ قَرِيبٌ} [الصف: 13].

وبدأ المسلمون في حصار أول الحصون، وهو حصن القموص، واستمر الحصار أربعة عشر يومًا متصلة، واختلف الرواة فيما حدث في هذا الحصن، هل دار قتال بعد هذا الحصار أم سَلَّم اليهود دون قتال؟ والثابت أن الحصنين التاليين -وهما حصن الوطيح وحصن السلالم- قد سَلَّما دون قتال.

اليهود يطلبون الصلح مع الرسول

طلب اليهود بعد عدة أيام أن ينزلوا على الصلح، وأن يدخلوا في نوع من المفاوضات مع رسول الله ، وقَبِل أن يتفاوضوا في هذا الأمر، وكان الذي نزل للتفاوض هو كِنانة بن أبي الحُقَيْق -أخو سلام بن أبي الحقيق الذي قتله المسلمون قبل ذلك- وقال كنانة بن أبي الحقيق: أنزلُ فأكلمك؟ فقال الرسول : "نَعَمْ".

فنزل ودار بينهما حوار طويل، وكانت خلاصة المفاوضات في صالح المسلمين مائة في المائة، فقد صالح اليهود الرسول على حَقْن دمائهم، ودماء كل من في الحصون من المُقَاتِلَةِ والذرية والنساء، على أن يتركوا خلفهم الديار والسلاح والأموال والذهب والفضة، ويخرجوا بملابسهم فقط في أكبر هزيمة من هزائم اليهود مطلقًا. والحقيقة أن الانتصار كان كبيرًا بالنسبة للمسلمين، وشَرَط الرسول في هذه المعاهدة عليهم شَرْطًا مهمًّا، فقال: "وَبَرِئَتْ مِنْكُمْ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ إِنْ كَتَمْتُمُونِي شَيْئًا". أي: لو أن اليهود أخفوا أي شيء من الأموال أو من الذهب أو الفضة، فيجوز للرسول أن يقتلهم بهذا الإخفاء للمال أو للذهب أو للفضة. وبالفعل قبلوا هذا الأمر، وبدأ اليهود بالخروج من خيبر.

كنانة بن أبي الحقيق يخفي أمواله

اكتشف الرسول أن كنانة بن أبي الحقيق قد أخفى مالاً، وذكر له ذلك أحد اليهود، فأُتِي بكنانة بن أبي الحقيق، وقال له الرسول : "هَلْ أَخْفَيْتَ مَالاً؟"

فقال: لا.

فقال : "أَرَأَيْتَ إِنْ وَجَدْنَاهُ عِنْدَكَ، أَأَقْتُلُكَ؟".

قال: نعم.

فأمر بالبحث في أرضه، وكان أحد اليهود قد عيَّن مكانًا معينًا، وقال: إن كنانة أخفى المال في ذلك المكان. سبحان الله! وبحثوا في هذا المكان فوجدوا كَنْزًا كبيرًا من المال، وقُتِل كنانة بن أبي الحقيق نتيجة مخالفته للمعاهدة التي كانت مع المسلمين، وسُبِيت امرأة كنانة بن أبي الحقيق.

الرسول يتزوج صفية بنت حيي بن أخطب

وكانت امرأة كنانة بن أبي الحقيق هي صفية بنت حيي بن أخطب، وتزوجها الرسول ، وأصبحت من أمهات المؤمنين. ولنا وقفة مع زواج الرسول من السيدة صفية رضي الله عنها. وبداية الأمر أن السيدة صفية عندما أُخذت في السبي، أخذها أحد أصحاب رسول الله وهو دِحْية الكلبي t، فأتى إليه أحد الصحابة وقال له: إن هذه بنت ملك، ولا يجوز أن تكون إلا لرسول الله ؛ فتزوجها الرسول . والحقيقة أن في زواج الرسول من السيدة صفية حكمة كبيرة، ومن هذه الحِكَم أنه رفع درجة السيدة صفية، فهذه بنت ملك أو بنت زعيم من زعماء اليهود، وزوجة زعيم من زعمائهم، فلا يجب أن تُعطى هكذا إلى أي إنسان من المسلمين، فرفع قدرها وعظم من شأنها وتزوجها هو ، بعد أن أعلنت إسلامها.

ثم إن في هذا استمالة لقلوب اليهود عندما يكون بينهم وبين زعيم الدولة الإسلامية أو نبي هذه الأمة عَلاقة نسب، فهذه قد ترقِّق قلوب اليهود وتفتح قلوبهم للإسلام. ثم إنه بذلك الزواج سيمنع الخلاف بين الصحابة؛ لأن أحد الصحابة جاء إليه وقال: "أعطيت دحية الكلبي صفية بنت حيي سيِّدة قريظة والنضير؟"[1]. فقد ينظر أحد الصحابة إلى أنه قد أعطى أحد الصحابة شيئًا قد يناسب النبي أو غيره من عموم الصحابة، وبذلك قطع الخلاف بين الصحابة y أجمعين، وهذه كانت بداية خير كبير للسيدة صفية، وأصبحت أم المؤمنين رضي الله عنها، وروت الكثير والكثير عن رسولنا الكريم .

اليهود يدبرون مؤامرة لقتل الرسول

هل امتنع كيد اليهود بعد هذه الغزوة، وبعد هذا القتال المرير الذي دار في عدة أيام، والذي بلغ شهرًا أو أكثر من شهر؟ لم يكفّ اليهود عن ذلك، بل استمروا في المؤامرات والكيد والدس إلى درجة أنهم فكروا في قتل الرسول قبل أن يغادروا خيبر؛ فقد اجتمع اليهود ودبروا محاولة لقتل الرسول ، والجميع يعلم قصة الشاة المسمومة، ونحتاج هنا إلى أن نقف وقفة مع هذه الشاة لنرى ردَّ فعل الرسول لهذا الأمر؛ فاليهود قد اجتمعوا على محاولة اغتيال رسول الله بعد انتصار خيبر، وقد اتفقوا جميعًا على ذلك، وليس تفكيرًا من امرأة واحدة كما تروي بعض الروايات.

والحقيقة أن الروايات كلها صحيحة ولا بد من الجمع بينها، فهناك رواية في صحيح البخاري تقول: إن امرأة يهودية أتت رسول الله بشاة مسمومة، فأكل منها الرسول ، فجيء بهذه المرأة إلى الرسول فسألها عن ذلك، فقالت: أردتُ لأقتلك. فقال: "مَا كَانَ اللَّهُ لِيُسَلِّطَكِ عَلَيَّ"[2]. وفي بعض الروايات أن هذه المرأة هي زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم الذي قتله المسلمون قبل ذلك، فأرادت أن تنتقم لزوجها القتيل ولقومها بصفة عامَّة. وفي رواية أخرى في صحيح البخاري، ويروي هذه الرواية أبو هريرة t، يقول: "لما فتحت خيبر، أُهدِيت لرسول الله شاة فيها سَمٌّ، فقال رسول الله : "اجْمَعُوا لِي مَنْ كَانَ هَا هُنَا مِنَ الْيَهُودِ". فجُمعوا له، فقال لهم رسول الله : "إِنِّي سَائِلُكُمْ عَنْ شَيْءٍ، فَهَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْهُ؟"

فقالوا: نعم يا أبا القاسم.

فقال لهم رسول الله : "مَنْ أَبُوكُمْ؟"

قالوا: أبونا فلان.

فقال رسول الله : "كَذَبْتُمْ، بَلْ أَبُوكُمْ فُلاَنٌ".

فقالوا: صدقت وبررت.

فقال: "هَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ؟".

فقالوا: نعم يا أبا القاسم، وإن كذبناك عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا.

قال لهم رسول الله : "مَنْ أَهْلُ النَّارِ؟".

فقالوا: نكون فيها يسيرًا، ثم تخلفوننا فيها.

فقال لهم رسول الله : "اخْسَئُوا فِيهَا، وَاللَّهِ لاَ نَخْلُفُكُمْ فِيهَا أَبَدًا".

ثم قال لهم: "فَهَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ؟".

قالوا: نعم.

فقال: "هَلْ جَعَلْتُمْ فِي هَذِهِ الشَّاةِ سَمًّا؟".

فقالوا: نعم.

فقال: "مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ؟"

فقالوا: أردنا إن كنتَ كذَّابًا نستريح منك، وإن كنت نبيًّا لم يضرك[3].

فقد اجتمع اليهود على جعل السم في الشاة ليقتلوا الرسول ، ثم أعطوا هذه الشاة لامرأة سلام بن مشكم لتعطيها لرسول الله ، وهذا -دائمًا- دأبُ اليهود الخيانة والغدر، فهل نتعلم من تاريخهم مع المسلمين في العهد النبوي؟! {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [ق: 37].

الرسول يعفو عن اليهود !!

الرسول بعد هذا الموقف -واعتراف اليهود اعترافًا صريحًا بأنهم دبروا لقتله - عفا عنهم جميعًا؛ وهذا من أبلغ مواطن الرحمة في حياته ، بل إنه عفا عن المرأة التي قدمت له الشاة، وسُئِل مباشرة ألا تقتلها؟ قال: "لاَ". ولم يقتل المرأة، وكان أحد الصحابة y وهو بشر بن البراء بن معرور قد أكل مع رسول الله وقت أكله من الشاة المسمومة، وكما هو مشهور أن الشاة المسمومة قالت لرسول الله : "لا تأكل مني؛ فإني مسمومة"[4]. فالرسول لَفَظَ الشاة وأمر الصحابة ألاّ يأكلوا، ولكن هذا الصحابي بشر بن البراء بن معرور t كان قد ابتلع قطعة من اللحم من هذه الشاة المسمومة فمات بها، فلما مات بشر بن البراء بن معرور t، أقام رسول الله الحدَّ على المرأة التي قَدَّمت الشاة، فقتلها به. وبالجمع بين الروايات نجد أنه من كل أرض خيبر لم تقتل إلا امرأة واحدة؛ لأنها قتلت رجلاً من المسلمين أكل من الشاة المسمومة.

موقعة خيبر في الميزان النقدي

عند مقارنة هذه المعركة العظيمة بكل معارك الأرض، يتبين لنا أنها من أرحم المعارك وأقلها في الخسائر البشرية. وفي نظرة سريعة إلى الحرب العالمية الثانية نجد أن ألمانيا قد قُتل منها عشرون مليونًا، معظمهم من المدنيين: تسعة عشر مليونًا، ونجد أن هذا تكرر في معظم المعارك الأخرى؛ فقد قتل في هيروشيما ونجازاكي ربع مليون وكلهم من المدنيين، رجال ونساء وأطفال، لكن شتَّان بين حروب المسلمين وحروب غير المسلمين!

ولعل هذه فرصة لنعرض عدد مَن قُتل في هذه المعركة من اليهود، فقد قُتل ثلاثة وتسعون من اليهود، ففي هذا اللقاء الشديد والحروب المستمرة قتل من اليهود ثلاثة وتسعون، واستشهد من المسلمين ستة عشر إلى ثمانية عشر بحسب اختلاف الروايات، وترك اليهود غنائم ضخمة، وتركوا أموالهم وديارهم، وتركوا أراضي كبيرة من النخيل، وقد كانت خيبر بلادًا غنية بالزراعة، فتركوا كل هذا وراءهم وبدءوا في عملية الخروج.

ثم إن اليهود بعد قرار المعاهدة، وقرار الخروج من خيبر، قدموا عرضًا لرسول الله ، وقالوا: يا محمد، دعنا نكون في هذه الأرض نصلحها ونقوم عليها، فنحن أعلم بها منكم. فالأرض كبيرة، والصحابة لم يكن لهم علم كبير بالزراعة، وهذه أراضٍ بعيدة عن المدينة المنورة، واليهود يستطيعون أن يزرعوا هذه الأرض، وأن يُخرِجوا منها إنتاجًا وفيرًا، فقالوا: دعنا نقوم على إصلاح هذه الأرض، ثم نقيم معاهدة بيننا وبينكم على اقتسام هذا المزروع. وفكر الرسول ، فوجد أن هذا العرض مناسب للمسلمين، فأقر اليهود على ذلك على أن يعطيهم الشطر من كل زرع، ومن كل ثمر ما بدا لرسول الله أن يقرهم؛ أي يظلوا في خيبر بأمر رسول الله ، فإذا أمر في يوم من الأيام بخروج اليهود من خيبر فعليهم أن يخرجوا، وهو ما تمَّ بعد ذلك في عهد عمر بن الخطاب t.

وانتهت المعركة بهذا الأمر، وبدأ الرسول يقسِّم غنائم خيبر الكثيرة على المسلمين، لدرجة أن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- يقول كما روى البخاري: "ما شبعنا حتى فتحنا خيبر"[5].

وتقول السيدة عائشة -رضي الله عنها- كما جاء أيضًا في البخاري: "لما فُتِحت خيبر قلنا الآن نشبعُ من التمر"[6].

فكان فتح خيبر نصرًا عظيمًا حققه المسلمون.

وغنم الرسول في غزوة خيبر صحائف التوراة، ومع أنه يعلم أنها محرَّفة تمام التحريف، وأنها قد أزيلت عنها البشارات التي تبشر به ، وأنه قد اعتدى اليهود فيها كثيرًا على حرمات الله ، إلا أنه سَلَّم هذه الصحائف كاملة لليهود عندما طلبوها منه، ولم يحرق هذه الصحف، وسمح لهم بالمعتقد الذي يعتقدونه، وإن كان يعلم أنه معتقد فاسد تمامًا، وهذا من سعة الصدر عند المؤمنين، والله قال في كتابه الكريم: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة: 256]. وهذه القصة واردة وثابتة، وشهد بها الجميع، بل وشهد بها المستشرقون أيضًا.

ويجب ألاّ ينسى المحلِّل لهذه الغزوة أنها من أوَّلها إلى آخرها جاءت عقابًا لليهود على خياناتهم المتكررة، وتأليبهم لجميع القبائل العربية على حرب المدينة المنورة، ومحاولاتهم المستمرة لاستئصال أهل المدينة المنورة، واغتيال الرسول ؛ أي أن هذه الموقعة كانت عقابًا لليهود على جرائم سابقة فعلها اليهود، وقبول الرسول بخروجهم أحياء هذا تَفَضُّلٌ منه ، وكان من حقه أن يعاملهم بالمثل، ويعاملهم بالقصاص، ويقتل الرجال الذين يقاتلون منهم، ولكن أقيمت المعاهدة على هذا المعنى، والمستشرقون في الغرب يقولون ويعلقون على موقعة خيبر بأن اليهود قد ظُلموا فيها، وأن هذا من الشر في الحروب، ومن التجاوز في المعاملة؛ ولكن هذه طبيعة الحروب، فاليهود كانوا منذ لحظات حريصين تمام الحرص على قتل المسلمين.

والناظر إلى تاريخ الحروب في الأرض يجد أن حروب الرسول هي من أرحم الحروب على الإطلاق في تاريخ الإنسانية، ولننظر إلى عدد القتلى في الحرب العالمية الثانية، وأعدادهم التي تقدر بالملايين، ولكن الرسول ما قتل مدنيًّا قَطُّ في حياته ، بل كان يأمر الناس أن يغزوا في سبيل الله، على بركة الله، لا يقتلوا شيخًا كبيرًا، ولا طفلاً صغيرًا، ولا امرأةً، ولا منعزلاً بصومعة، ولا من لم يقاتل المسلمين، وكان يفرِّق بين الكافر الذي يقاتل المسلمين وبين الكافر الذي لا يقاتل المسلمين، بل أمر الله رسوله أن يُبلِّغ الكافر الذي لا يقاتل المسلمين مَأْمَنَهُ؛ حتى يسمع كلام الله فيعرفَ الحق وتُقام عليه الحُجَّة.

نتائج فتح المسلمين لخيبر

عندما سمع اليهود الذين هم في أماكن أخرى بعيدة أو قريبة من خيبر بأنباء خيبر، بدءوا يفكرون تفكيرًا جديًّا في التسليم لرسول الله ، ومن هؤلاء اليهود يهود فَدَك الذين قبلوا أن ينزلوا على نفس الصلح الذي نزلت عليه يهود خيبر، على أن يكون لهم النصف من الثمار مثلما جرى مع يهود خيبر. وكذلك اليهود في وادي القرى قاوموا في البداية بعض المقاومة، ثم إنهم بعد ذلك قبلوا بنفس الصلح، وكذلك يهود تيماء؛ وبذلك حيَّد المسلمون جانب اليهود تمامًا في الجزيرة العربية، ورجع الرسول بعد هذه الغزوة إلى المدينة المنورة في أواخر صفر أو أوائل ربيع الأول سنة 7هـ؛ أي أنه ظل أكثر من شهر في منطقة خيبر، كما توقع أن يقضي وقتًا طويلاً في خيبر، وبذلك تخلص المسلمون نهائيًّا من خطر اليهود.

فإذا أضفنا إلى هذا التخلص ما حدث في صلح الحديبية من تحييد جانب قريش، نجد أن معظم القوى الموجودة في الجزيرة قد تعامل معها الرسول .

ولم يبقَ من قوةٍ في الجزيرة إلا قوة غطفان، التي -وإن وجَّه إليها الرسول بعض السرايا- تحتاج هي الأخرى إلى وقفة جادة، وتصرُّف حكيم وسريع من رسول الله .

وبهذا أيد الله رسوله بالنصر على اخوان القردة والخنازير وحفظ المسلمون كرامتهم في جزيرة العرب .

مهندس عوض عبدالجليل أبوحكارة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://galilyo.montadarabi.com
 
فتــــــح خيــــــــــبر عام 7 هجريه
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
جاليليو أبوحكارة :: الدين الاسلامي-
انتقل الى: